بورقيبة عام 1966
همّ بورقيبة سنة 1966 بنزع سفساري امرأة، في محاولة لإخفاء ملامح هذا اللباس التقليدي من المشهد المجتمعي لتونس المستقلة، كان يعتقد في حركته تلك تأشيرة لإطلاق المرأة من عقال الموروث.. غير أن للموروث سطوة تتجاوز حدود رغبة الزعماء... وقد يعود في أشكال جديدة، ربما أكثر حدّة ممّا قد غيبوهوهذا ما حصل فعلا... خرج السفساري من الباب ليعود الحجاب من النافذة.قطعة قماش من الحرير الأبيض، طولها 4.40 م وعرضها 1.95 م.. ذلك هو السفساري التونسي ذو الأصول العربيةكان قبل الاستقلال عباءة تلتحف بها المرأة لتستر كامل وجهها ما عدا الوجه والكفينالسفساري الحريري الخالص، نصف الحريري.. القماش الأبيض العادي لفقيرات القوم.. كان يصنع بسوق الحرايرية، وامتد من حاضرة تونس إلى باقي مدنها وقراهاالسفساري التونسي، صار الآن بضاعة فولكلورية تلتقطها عدسات السيّاح الأوروبيين في ضاحية سيدي بو سعيد، وفي أزقة المدينة العتيقة.. أما الحجاب “الإسلامي”، فقد اكتسح الشوارع والمدارس، ومقرات العمل، والبيوت.. وتبخر حلم بورقيبةاختفى لباس الحشمة المتجذّر في الهوية الوطنية (السفساري)، وحل محله لباس “شرعي” فرضه المدّ الإسلامي بوعظ الفضائيات، وبعنف الفقهاء.. ودهاء السياسيينفي بداية الثمانينات، حين أقرّ بورقيبة المنشور 108 لمنع ارتداء الحجاب، لم تكن المتحجبات سوى بعض فتيات مسيسات منتميات إلى حركة الاتجاه الإسلاميفي التسعينات تكاثر العدد.. وفي بداية الألفية الثالثة صار “الحجاب الشرعي” ظاهرة منتشرة بقوة في المجتمع، ولم تستطع السلطة السياسية أن تحاصره وتحدّ من انتشاره، ذلك أنه انتقل حينذاك من تعبيرة اجتماعية إلى تعبيرة سياسيةبين السفساري المختفي، والحجاب الصاعد، حكاية كتب سطورها التداخل القوي بين المقدّس والمدنّس، فلو قارنّا بين اللباسين من ناحية الدلالة على الحشمة، لوجدنا أن السفساري هو الأكثر سترا لجسد المرأة. وهذا ما يعني أن ظهور الحجاب بقوة في المشهد الاجتماعي التونسي لا يتصل فقط بمعنى التمسّك بالأخلاقيات الدينية والأحكام الشرعية، إنما يتجاوز ذلك إلى نوع من التحصّن بجدار الهوية – في معناها الإسلامي الشامل-، فرضته معطيات محلية ودوليةانتشر الحجاب في تونس بشكل غير مسبوق، تزامنا مع عولمة طاغية حملت معها قيما استهلاكية لا تتحملها النطاقات المفقرة في العالم الثالث. ففي ظل أزمات الفقر والبطالة يصبح الاحتفاء بالجسد ترفا لا طائل من ورائه، ويتحول الزّهد –بمعناه الديني- إلى أسلوب وقائي يحدّ من شهوات النفس، ويخفف من انسياقها وراء المتعةوجدت المرأة الفقيرة خلاصها في التعويض عن ملذات الدنيا بثواب الآخرة، فارتدت الحجاب، وشيئا فشيئا، تسلل الحجاب إلى الأحياء الراقية، ودخل في سياق الموديلات والماركات الفاخرة، فحقق للمرأة معادلة بين الأناقة والتديّن.. وهكذا تراجع السفساري إلى منطقة “الفولكلور التقليدي” واقتطع تذكرته إلى المهرجانات الرسمية والاحتفاليات السنوية، وصار صورة في بطاقات بريدية تروج للمنتوج السياحي التونسيثمة عامل آخر في غاية الأهمية، جعل السفساري ينهزم أمام الحجاب بالضربة القاضية.. فطوال عقود، وجدت الحركات الإسلامية في نبرة “المظلومية” وسيلة لاكتساب المناصرين، وأدّت الحملات الأمنية المكثفة لردع المتحجبات إلى نتائج عكسية، حيث تحولت معركة الحجاب إلى “قضية رأي عام”، في نفس الوقت الذي انتشر فيه البث الفضائي، حاملا معه أصوات الدعاة الإسلاميين إلى كل بيتقناة “المجد”، قناة “الحكمة” ، قناة “الرحمة ، قناة “الهدى” ، قناة “الهدى” ، قناة “الروح”.. قنوات خليجية متخصصة توجهت إلى المواطنين العرب برؤية للإسلام تتجاوز هوياتهم الوطنية المحلية، لتستقطبهم إلى حيث “الدعوة العالمية” بمنظورها الفقهي وأشكالها المقترحة للتدين والعبادة واللباسيطل الداعية “عمرو خالد” ببدلة إفرنجية ليمجّد الحجاب الشرعي.. ثم يطل الداعية “يوسف القرضاوي” بزيّ “أزهري” ليبرز فوائد الحجاب على المرأة المسلمة، ثم يطل من قناة أخرى شيخ وهابي متوعدا تاركة الحجاب بعذاب الدنيا والآخرة.. إنها أنماط متعددة لخطاب آحادي هدفه الأساسي استقطاب المشاهد العربي إلى نمط عقائدي يتماشى مع “الدعوة الإسلامية” بمعناها السياسي الضيّقلم يكن ممكنا للسفساري التونسي بدلالاته المحلية أن يساير هذا النسق المطرد من التحولات، رغم أنه يندرج في منظومة الستر والعفة بمعناهما الديني والاجتماعي. بينما صار الحجاب عنوان انتماء ثقافي جديد، يندرج ضمن الإسلام الشعبي من جهة، وضمن الإسلام السياسي من جهة أخرىالحجاب في الإسلام الشعبي، لا يملك شكلا مخصوصا، فهو تنويعات مختلفة لأزياء تغطي جسد المرأة. أما الحجاب في الإسلام السياسي، فهو زي رسمي تستطيع أن تميز من خلاله بين المرأة “السنية والشيعية”.. وفي كل الحالات دخل الحجاب إلى تونس كما لم يتوقعه العقل الاستراتيجي للدولة البورقيبيةكان بورقيبة يحلم بأن تتفرّد تونس بشرف التجربة التحديثية الأولى في المنطقة العربية، فحاول تغييب السفساري، لكن نسخة أخرى مضادّة للسفور، ظهرت على مسرح الأحداث معززة بسلاح العقيدة، وقوة الآلة الدعائيةالحجاب قصة قد تتنامى أكثر في أيامنا هذه، لأنها صارت مدعومة بحجة “السلطة الإسلامية الصاعدة”.. شاشية الأتراك، قد تعود من باب أوردوغان وإسلام “العدالة والتنمية”، غير أن السفساري العربي قد يظل على حاله، بضاعة فولكلورية تذكرنا بسنوات خلت.. أو حنينا نوستالجيا إلى زمن جداتنا الطيباتفي ركن منسي من زوايا هويتنا الوطنية، وضع السفساري. وفي مساحة كبيرة من حاضرنا ومستقبلنا وضع الحجاب، متحفزا إلى اكتساح المشهد واستقطاب المزيد..غير أن أسئلة محيرة ترافق هذا الزي “الظاهرة”، هل الحجاب الشرعي الذي اكتسح تونس “خميني” المنبت أم “وهابي الأصل”؟ هل هو بمواصفاته الحالية منسجم فعلا مع أحكام الشريعة، أم هو محض فعل بشري في النص الديني؟ هذا الفعل البشري ذاته، جاء بالنقاب بديلا عن الحجاب، فلكل رؤيته للإسلام، وتصوره لحدود التستر والحياء والعفة.. وهنا ممكن الخطر الداهمانهزم السفساري أمام الحجاب، وهذا أمر معلوم، وقد ينهزم الحجاب أمام النقاب، وهذا أمر قد يبدّد كل أثر للمرأة ككائن اجتماعي.. فماذا تخبئ لنا تفاصيل “الصحوة الإسلامية”؟ لننتظرخليل الرقيق |
Publicité